حسن الأمين

121

مستدركات أعيان الشيعة

ويسوق لنا جابر مثلا كيف نصنع « الميزان الوزني » وكيف نستخدمه وفي أي البحوث العلمية تستخدمه ، وسأثبت هنا قوله بنصه لدلالته أولا على دقته التجريبية ، وثانيا على سداد منهجه للوصول إلى نتائج علمية في موضوع كالوزن النوعي للمعادن ، وما أشبهه بعالم اليوم إذ يثبت تجاربه فيصف أجهزته التي استعان بها ، ثم يصف الطريقة التي استخدمها بها ، بالإضافة إلى النتائج التي يوصل إليها ، قال جابر في استخراج الوزن النوعي للذهب والفضة : « فاستعمل ميزانا على هيئة الأشكال ، ويكون بثلاث عرى خارجة إلى فوق ، واعمل بهذه الكفتين كعمل الموازين ، أعني من شدك بها الخيوط وما يحتاج إليه ، ولتكن الحديدة الواسطة التي فيها اللسان في نهاية ما يكون من الاعتدال حتى لا يميل اللسان فيها أولا - قبل نصب الخيوط عليها - إلى حبة من الحبات ، ويكون وزن الكفتين واحدا وسعتهما واحدة ومقدار ما يملؤهما واحدا ، فإذا فرغت من ذلك على هذا الشرط ، فلم يبق عليك كثير شيء ، ثم شد الميزان كما يشد سائر الموازين ، ثم خذ إناء فيه ما يكون عمقه إلى أسفل نحو الشبر أو دونه أو أكثر كيف شئت ، ثم املأه ماء قد صفي أياما من دغله وقذره وما فيه - كما تصفى البنكانات ( 1 ) - ثم اعمد إلى سبيكة ذهب أحمر خالص نقي جيد ، ويكون وزنها درهما ، وسبيكة فضة بيضاء خالصة صرفا ، ويكون وزنها درهما ، ويكون مقدار السبيكتين واحدا ، ثم ضع الذهب في إحدى الكفتين والفضة في الأخرى ، ثم دل الكفتين في ذلك الماء الذي وصفنا إلى أن تغوصا في الماء وتمتلئا من الماء ، ثم اطرح الميزان ، فإنك تجد الكفة التي فيها الذهب ترجح عن الكفة التي فيها الفضة ، وذلك لصغر جرم الذهب وانتفاش الفضة ، وذلك لا يكون إلا من اليبوسة التي فيها ، فاعرف الزيادة التي بينهما بالصنجة . . . » وكذلك يقاس كل جوهرين وثلاثة وأربعة وخمسة وما شئت من الكثرة والقلة ، مثل أن تعرف النسبة التي بين الذهب والنحاس ، والفضة والنحاس ، والذهب والنحاس والرصاص ، والفضة والرصاص والنحاس ، والفضة والذهب والرصاص . . . وكذلك إن شئت واحدا واحدا ، وإن شئت اثنين اثنين ، أو ثلاثة ثلاثة أو كيف أحببت « ( 2 ) . وبعد أن استطردنا قليلا في الحديث عن المعاني المختلفة « للميزان » نعود إلى « ميزان الطبائع » لنفصل فيه القول تفصيلا لا نستوعب به كل شيء ، لكنه يكفي لتقديم فكرة عن هذا الركن الهام من كيمياء جابر بن حيان . لقد سبق لنا أن ذكرنا - عند الحديث عن الحروف وأوزانها - أن تحليل الاسم دال على طبيعة المسمى ، فتحليل كدمة « ذهب » - مثلا - دال على طبيعة الذهب العيني الذي سمي بذلك الاسم ، لكن كيف يكون تحليلنا للاسم لنستدل به على طبيعة مسماة ؟ ليست الحروف كلها سواء في المنزلة ، بل منزلاتها متفاوتات القيمة ، ويقسم جابر هذا السلم سبعة أقسام ، وكان يستطيع أن يكتفي بأقل من ذلك ، كما كان يستطيع أن يزيد من هذه الأقسام ، لكنه يرى أن السبعة الأقسام تحقق قدرا من الدقة العلمية يكفل سلامة النتائج ، وهو يطلق على هذه المنازل المتدرجة الأسماء الآتية ، بادئا من أعلاها إلى أدناها : المرتبة وجمعها مراتب ، الدرجة وجمعها درج ، الدقيقة وجمعها دقائق ، الثانية وجمعها الثواني ، الثالثة وجمعها الثوالث ، الرابعة وجمعها الروابع ، والخامسة وجمعها الخوامس ، وحروف الأبجدية تنقسم إلى هذه الأقسام السبعة على هذا النحو : أ ، ب ، ج ، د المراتب . ه ، و ، ز ، ح الدرج . ط ، ى ، ك ، ل الدقائق . م ، ن ، س ، ع الثواني . ف ، ص ، ق ، ر الثوالث . ش ، ت ، ث ، خ الروابع . ذ ، ض ، ظ ، غ الخوامس . على أن كل هذا التقسيم يتكرر بأسره أربع مرات ، تسمى أولاها بالمرتبة الأولى ، وثانيتها بالمرتبة الثانية ، وثالثتها بالمرتبة الثالثة ، ورابعتها بالمرتبة الرابعة ، وفي كل مرتبة من هذه المراتب الأربع تقسم الحروف أربع مجموعات ، كل مجموعة منها سبعة أحرف ، لتقابل الطبائع الأربع : الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة : فالحرارة يقابلها دائما : أه ط م ف ش ذ . والبرودة يقابلها دائما : ب وى ن ص ت ض . واليبوسة يقابلها دائما : ج ز ك س ق ث ظ . والرطوبة يقابلها دائما : د ح ل ع ر خ غ . وما دامت هذه المجموعات مقسمة على هذا النحو ، تتكرر أربع مرات ، هي المراتب الأربع ، فمعنى هذا هو أن الحرف الواحد ، مثل حرف « ذ » - مثلا - تختلف قيمته باختلاف موضعه ، لأن موضعه قد يكون في مرتبة أولى ، فتكون له قيمة معينة ، وقد يكون في مرتبة ثانية فتكون له قيمة أخرى ، وقد يكون في مرتبة ثالثة فتكون له قيمة ثالثة ، وقد يكون في مرتبة رابعة فتكون له قيمة رابعة . وفيما يلي قوائم أربع ، لكل مرتبة من المراتب الأربع قائمة ، تبين موازين الحروف المختلفة في كل حالة منها ( 3 ) : 1 - المرتبة الأولى مرتبة درهم ب درهم ودانق ودانق درجة ه‍ - نصف ونصف

--> ( 1 ) كتاب الأحجار على رأي بليناس ، الجزء الثاني . ( 2 ) البنكان كلمة فارسية الأصل ، ومعرب » بنكان « هو » فنجان « . ( 3 ) كتاب الأحجار على رأي بليناس ، الجزء الثاني .